محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
96
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
لأنه لم يكن عليها خرقة ولا سجّادة ، فقال : لا أريد الاستناد . فتأملت بعد ذلك فعلمت أنه لا يستند إلى شيء أبدا » . وقال أبو القاسم الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « كنت جالسا في مسجد « الشونزية » « 1 » أنتظر جنازة أصلّي عليها ، وأهل بغداد ، على طبقاتهم ، جلوس ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك « 2 » يسأل الناس ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه لكان أجمل به ، فلما انصرفت إلى منزلي ، وكان لي شيء من الورد بالليل من البكاء والصلاة وغير ذلك ، فثقل عليّ جميع أورادي ، فسهرت وأنا قاعد ، فغلبتني عيني فرأيت ذلك الفقير جاؤوا به على خوان « 3 » ممدود وقالوا لي : كل لحمه ، فقد اغتبته ! ! وكشف لي عن الحال ، فقلت : ما اغتبته وإنما قلت في نفسي شيئا ! ! فقيل لي : ما أنت مما يرضى منك بمثله ، اذهب واستحله ، فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء عند تراد الماء أوراقا من البقل مما تساقط من غسل البقل ، فسلّمت عليه ، فقال أتعود يا أبا القاسم ؟ ! فقلت : لا ، فقال : غفر اللّه لنا ولك » . . . إلى غير ذلك من آدابهم ، رضي اللّه عنهم أجمعين . والظاهر أن مراد المؤلف ، رحمه اللّه ، بإساءة الأدب ما كان فيه نوع من الرعونة وإظهار الدعوى واتصاف العبد بصفة المولى ، وانبساطه وإذلاله في موقف الهيبة والحياء وما أشبه ذلك مما يخاف على صاحبه وقوع الاستدراج والمكر به ، ولكن ينبغي للمريد أن لا يتهاون بشيء من الآداب ولا يستحقرها ؛ فإنّ التهاون بذلك والاستحقار له من مخامرة الجهل وعدم المعرفة باللّه تعالى ، وهذا أقبح أنواع سوء الأدب ، فإن وقعت منه إساءة أدب فليكن خائفا من ذلك مستعظما للأمر فيه ، وليبادر إلى التوبة والاعتذار والتنصّل منها خشية أن توجّه إليه العقوبة من حيث لا يشعر . وآكد ما ينبغي أن يجتنبه المريد من مقتضيات هذه الجملة التي ظهر لنا أنها مراد المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ( من أنواع سوء الأدب ) أن يوطّن خاطره على شيء من الاعتراض على اللّه تعالى وتعاطي التدبير معه ، والتبرّم بأحكامه المؤلمة في نفسه أو غيره ، وأن يسرح لسانه بالشكوى إلى الخلق ، والعيب لما لا يوافق هواه ، أو نقض في نظره مما يراه من الحق ، فإن خطر بباله أو جرى على لسانه شيء من ذلك فليبادر إلى الاستغفار منه والتفصّي عنه ، وليعلم أن تشاغله بذلك من أعظم الحسنات وأفضل
--> ( 1 ) الشونزية : مقبرة بغداد في جانبها الغربي . ( معجم البلدان 3 / 374 ) . ( 2 ) النسك : حق اللّه تعالى . نسك الرجل : أخلص نفسه للعبادة والطاعة للّه وتزهد . ( 3 ) الخوان : ما يوضع عليه الطعام ليؤكل فإذا وضع عليه الطعام فهو مائدة ( ج ) أخونة وخون .